الإمام يحيى بن الحسين

122

مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن قاسم بن إبراهيم

إني بوجه اللّه من شر البشر * أعوذ من لم يعذ اللّه دمر وقال آخر : إذا معقل راح البقيع وهجرا * أعوذ بوجه اللّه من شر معقل ومما يحتج به أهل اللغة ، وبما قالت في ذلك ، ما يقول العلي الأعلى ، مما بين فيه أن وجهه هو لا بعضه ما يقول : وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [ الروم : 39 ] ، فقال : تريدون وجه اللّه ، وإنما أراد سبحانه : تريدون اللّه . ومن ذلك ما حكى رب العالمين عن خير خلقه أجمعين محمد وأهل بيته الطيبين فيما كان من إطعامهم لمن ذكر اللّه من الأسير ، واليتيم ، والمسكين ، حين يقول : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [ الإنسان : 9 ] ، فقال سبحانه : نطعمكم لوجه اللّه ذي العزة والسلطان ، وإنما أرادوا بذلك اللّه الواحد العزيز الرحمن . وقال سبحانه فيما نزل من الفرقان : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 148 ] ، فقال سبحانه : وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ، أي : لكل مؤتم وقبلة ، ولم يرد بذلك من القول والخبر ، أنه وجه مصور في صورة من الصور . وقال : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [ البقرة : 112 ] الآية ، فقال : مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ ، أراد بذلك سبحانه من سلم نفسه لربه ، واستسلم له في جميع أموره ، وأخلص له سبحانه دينه . وقال جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ [ الروم : 43 ] ، فأمره بإقامة وجهه للدين والإخلاص في ذلك لرب العالمين ، ولم يرد الوجه دون القلب وسائر الأبعاض والأعضاء ، وإنما أراد بذلك العلى الأعلى : أقم نفسك لخالقك وربك ؛ وتأويل : فَأَقِمْ وَجْهَكَ ، فهو : قم بالدين بكليتك لمصورك وجاعلك . وفي ذلك ما يقول اللّه سبحانه : وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ آل عمران : 72 ] فلم يرد سبحانه فيما ذكر عنهم أن للنهار وجها ، كما يعقل من الوجوه ذوات التصاوير ، التي أمر بغسلها عند الوضوء ، فتقدس عن ذلك العلي الكبير . وقال عز وجل : ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها ، يريد على حقيقتها وصدقها لا أن لها وجها عند جميع الخلق ، غير ما قلنا به من الحقيقة